السيد محمد الصدر
611
تاريخ الغيبة الصغرى
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ « 1 » . وغير ذلك من الآيات . ثانيا : كون الدولة العالمية مستخلفة على الأرض . وذلك : إما بمعنى كونها خليفة عن اللّه تعالى في القيادة نحو تطبيق العدل وتحقيق الهدف الأعلى ، أو بمعنى كونها وارثة للنظم السابقة عليها والبديل الأفضل لها جميعا . قال اللّه تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . الخ الآية « 2 » . وكلا المعنيين يمتّان إلى التخطيط العام بصلة وثيقة : أما المعنى الأول : فباعتبار ان استخلاف البشرية في القيادة ، لا يعني بأي حال إيكال الأمر إليها على نحو مطلق . فإنه خلاف صريح آيات قرآنية عديدة ، منها قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً « 3 » . وإنما المراد إيكال التربية والتكامل البشري إلى اختيار البشرية نفسها ، بدلا عن أن يكون المربي هو اللّه عز وجل . بما في ذلك التكامل الفردي والقيادة الاجتماعية العادلة . ومن هنا كان الفرد الأهم لتطبيق هذا الاستخلاف هو المربي البشري الكبير ، المتمثل في جهتين : الجهة الأولى : موكب الأنبياء والأولياء والصالحين ، السابقين على الدولة العالمية . فإنهم متكفلون للقسط الأكبر من هذه التربية والقيادة المطلوبة . الجهة الثانية : الدولة العالمية التي هي نتيجة لجهود ذلك الموكب كله ، ولجهود الانسانية كلها في العصور السابقة عليها . وهي تتولى التربية أيضا لكن بشكل أعمق وأوسع . وأما مع تحقق الهدف الأعلى ، وهو المجتمع المعصوم والذي يليه ، فهو الذي يكون خليفة وقائدا بمجموعة بطبيعة الحال . . . لأن كل فرد منه ممثل
--> ( 1 ) الانعام : / 165 . ( 2 ) النور : / 55 . ( 3 ) الأحزاب : / 36 .